محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

75

الآداب الشرعية والمنح المرعية

على الاستغفار دل على اعتباره ، والمراد أنه استغفر من ذنوبه توبة وإلا فالاستغفار بلا توبة لا يوجب الغفران ، قال ذو النون المصري : وهو توبة الكذابين ، ولهذا قال في شرح مسلم ( باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة ) يريد ما في مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب اللّه بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون اللّه عز وجل فيغفر لهم " " 1 " لكن الاستغفار بلا توبة فيه أجر كغيره من ذكر اللّه عز وجل واللّه أعلم وقد قال اللّه تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ، يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [ سورة النساء : الآية 110 ] . والأولى : وهو أنه لا يشترط ذلك - هو الذي ذكره في الشرح وقدمه في الرعاية وذكره ابن عقيل في الإرشاد وزاد : وأن يكون إذا ذكرها انزعج قلبه وتغيرت صفته ولم يرتح لذكرها ولا ينمق في المجالس صفتها فمن فعل ذلك لم تكن توبة ، ألا ترى أن المعتذر إلى المظلوم من ظلمه متى كان ضاحكا مستشرا مطمئنا عند ذكره الظلم استدل به على عدم الندم وقلة الفكرة بالجرم السابق وعدم الإكتراث بخدمة المعتذر إليه ويجعل كالمستهزىء تكرر ذلك منه أم لا ، كذا قال ، وعلى تقدير أن تمكن المنازعة في هذا المعنى إنما يدل على اعتبار ذلك وقت الندم . والغرض الندم المعتبر وقد وجد فما الدليل على اعتبار تكرره كلما ذكر الذنب ؟ وإن عدم ذلك يدل على عدم الندم والأصل عدم اعتباره وعدم الدليل عليه مع أن ظاهر قوله عليه السّلام " الندم توبة " أنه لا يعتبر وهذه الزيادة وهي تجديد الندم إذا ذكره قول أبي بكر بن الباقلاني ، والأول قول إمام الحرمين وغيره ، مع أن قول الشافعية وغيرهم أن توبته السابقة لا تبطل بمعاودة الذنب خلافا للمعتزلة في بطلانها بالمعاودة . وقال ابن عقيل والدلالة على أن الندم توبة مع شرط العزم أن لا يعود ورد المظلمة من يده خلافا للمعتزلة في قولهم الندم مع هذه الشرائط هو التوبة ، وليس فيها شرط بل هي بمجموعها توبة لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : " الندم توبة " " 2 " وليس لهم أن يقولوا أجمعنا على احتياجها إلى العزم لأن ذلك شرط ولا يوجب أن يكون هو التوبة كما أن الصلاة من شرطها الطهارة ولا تصح إلا بها وليست هي الصلاة ، ولأن التوبة هي الندم والإقلاع عن الذنب فمن ادعى الزيادة على ما اقتضته اللغة يحتاج إلى دليل انتهى كلامه ، وكلام الأصحاب السابق يدل على أن العزم ركن ، والأمر في هذا قريب فإنه معتبر عندهم . وإن كف حياء من الناس لم تصح ولا تكتب له حسنة ، وخالف بعضهم . وفي التوبة النصوح كما قال الحسن البصري قال : ندم بالقلب واستغفار باللسان وترك

--> ( 1 ) مسلم ( التوبة / 2749 ) . ( 2 ) سيأتي .